حرب العيون والآذان بين «حزب الله» وإسرائيل

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
جهود الحزب في تجنيد العملاء لا تتركز فقط على العرب داخل إسرائيل.. والمخدرات أهم وسائل الإغراء

وفي فبراير (شباط) 2008، أوقفت إسرائيل جنديا بتهمة التجسس لحساب حزب الله بعد الاشتباه بنقله إلى الحزب معلومات حول قواعد عسكرية مقابل مخدرات. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 أصدرت محكمة حيفا المركزية الإسرائيلية حكمها بالسجن لمدة ثلاث سنوات وسنتين مع وقف التنفيذ على فتاة من «عرب 48» قالت المحكمة الإسرائيلية أنها تتخابر مع حزب الله بعد أن تم تجنيدها عندما كانت تدرس الطب في جامعة أردنية. وقد تمكنت إسرائيل من كشف شبكات للعملاء قام حزب الله بتشغيلهم من بين سكان قرية بيت زرزير البدوية، وقد حكم على أحد سكانها عمار رحال بالسجن لثماني سنوات بتهمة التجسس. وكان على رأس شبكة أخرى من نفس القرية ضابط بالجيش الإسرائيلي برتبة عقيد هو عمر الهيب، الذي حكمت عليه المحكمة العسكرية الإسرائيلية بالسجن لمدة 15 سنة بتهمة التجسس. وقالت إسرائيل إن الوسيط بين حزب الله وهاتين الشبكتين شخص يدعى جمال رحال، وهو من نفس القرية وسبق أن خدم في الجيش الإسرائيلي كقصاص للأثر، وقد حُكم عليه مؤخرًا بالسجن لمدة 18 عامًا بتهمة التجسس.

وتقول إسرائيل إنه في عام 2002، قام رجال حزب الله بتزويد العقيد عمر الهيب ورجاله بعشرات الكيلوغرامات من الحشيش والهيروين لبيعها في السوق، وفي المقابل كلفوه بمهام محددة وبجمع المعلومات بخصوص تحركات قائد المنطقة الشمالية، آنذاك، غابي أشكنازي، والترتيبات الأمنية التي يتخذها أثناء تحركاته، بالإضافة إلى تحركات الدبابات في منطقة شمال إسرائيل، ونشاطات الجيش على الحدود وتحركات سلاح الطيران. وطلبوا من رحال الحصول على خرائط عسكرية.

وتصف إسرائيل هذه الشبكة التي شملت 11 ضابطا وجنديا بأنها «الأخطر في تاريخ الدولة». وقالت لوائح الاتهام إن الاتصال مع «حزب الله» تم بواسطة أوراق صغيرة، يطلب فيها حزب الله معلومات معينة، فيأخذها أعضاء الخلية، ويحفظونها عن ظهر قلب، ثم يمزقون الأوراق قطعا صغيرة وينشرونها وهم عائدون من الحدود اللبنانية بسياراتهم، ورقة ورقة. وعندما يعدون الإجابات، يسلمونها على الحدود بالطريقة نفسها، ويتقاضون ثمنها إما نقودا بالدولار الأميركي أو قيمتها مخدرات.

ومن بين المعلومات والمطالب، قالت إسرائيل إن حزب الله تقدم بها وتجاوب معها أفراد الخلية، وهي معلومات دقيقة عن أشكنازي نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي منذ أن كان قائدا للواء الشمالي، وجدول عمله اليومي وتحركاته ومكان سكنه وطباعه. ومعلومات دقيقة عن مجموعة من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي في منطقة الشمال، وأماكن سكنهم وأوقات دوامهم وطرق عملهم. ومعلومات عن معسكرات الجيش والقواعد العسكرية في منطقة الشمال وخرائط تبين مسار الدوريات العسكرية على الحدود مع لبنان وأوقات تحركها وخرائط عن مسار الدبابات، وزيارات القادة الكبار لها، ومعلومات عن آلات التصوير التي تنشرها إسرائيل على طول الحدود مع لبنان، إضافة إلى معلومات تفصيلية عن المنطاد ذي المحرك، الذي يرفعه سلاح الجو لرصد تحركات عناصر حزب الله. كذلك حصوله على 12 هاتفا جوالا تابعة لمختلف شركات الهواتف الإسرائيلية، حتى يستفاد منها للرصد والكلام بين الطرفين. وحسب لوائح الاتهام فإن خلية العسكريين الإسرائيليين تلقت أموالا طائلة لقاء هذه الخدمة تقدر بمئات ألوف الدولارات إضافة إلى كمية كبيرة من عشرات الكيلوغرامات من المخدرات على اختلاف أنواعها من الحشيش، والهيروين وغيرهما.

في المقابل، حقق «حزب الله» العديد من النجاحات في حربه «السرية» مع إسرائيل أبرزها إحباطه عملية إنزال إسرائيلية قرب بلدة أنصارية في جنوب لبنان. ففي ليلة مظلمة من ليالي شهر سبتمبر (أيلول) 1997 نزلت مجموعة كوماندوس إسرائيلية من شاطئ البحر باتجاه تلال البلدة لنصب كمين لهدف ما لتجد نفسها في كمين محكم نصبه رجال الحزب الذين قتلوا من الوحدة الإسرائيلية 12 جنديا بقيت أشلاء معظمهم في أرض المعركة. الجميع كان يدرك أن «حزب الله» علم مسبقا بحصول الإنزال، وبمساره أيضا. وهو سؤال أثار قلقا إسرائيليا عميقا كون هذه المعلومات لم تتح إلا لعدد قليل من المسؤولين آنذاك، وقد أدى هذا إلى فتح تحقيق كبير داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وقد توصل هذا التحقيق إلى أن الحزب استطاع تحليل المعلومات التي تبثها طائرات التجسس واستنتج منها مسار العملية.

والعملية الثانية تمثلت بنجاح الحزب في استرجاع معتقل سابق «اختفى» بعد اغتيال قائده السيد عباس الموسوي في عام 1992 عبر عملية أمنية نفذت في أوروبا، أوهم خلالها الإسرائيليون بإمكانية الحصول من خلاله على معلومات مهمة عن الحزب، فجرى نقله من المعتقلات الإسرائيلية إلى الخارج حيث استطاع الحزب «سحبه» إلى لبنان. وقد حول تلفزيون «المنار» الواقعة إلى فيلم تلفزيوني بث بعد أشهر على عودته. واستطاع «حزب الله» أيضا استدراج ضابط احتياط إسرائيلي إلى لبنان هو العقيد الحنان نتنباوم واستعمله في صفقة تبادل مع إسرائيل بعد إيهامه بإمكانية حصول صفقة كبيرة يجني من خلالها الكثير من المال.

واستطاع «حزب الله» أيضا أن يكشف عن عشرات الشبكات الإسرائيلية، وبنى لنفسه منظومة أمنية عجزت إسرائيل عن اختراقها. ولا تكاد تخلو سنة من نبأ اكتشاف الحزب أو أجهزة الاستخبارات اللبنانية التي تنسق مع الحزب في هذا المجال لشبكة إسرائيلية ما، أبرزها في السنوات الماضية، ثلاث شبكات إحداها شبكة يقودها المدعو محمود رافع في عام 2007، وهي شبكة اعترف الضالعون فيها بعمليات اغتيال وتجسس أبرزها اغتيال جهاد جبريل نجل القيادي الفلسطيني أحمد جبريل كذلك اغتيال الأخوين مجذوب في صيدا.

ثم أتى اكتشاف شبكة الأخوين علي ويوسف ديب الجرّاح اللذين تمّ توقيفهما في الصيف الفائت بعد نحو ربع قرن من التعامل مع جهاز الموساد، وهي شبكة وصفتها المصادر اللبنانية بأنها «الأخطر في تاريخ الصراع مع إسرائيل». فقائدها عمل مع الموساد منذ عام 1982 واستطاع أن يصور مواقع في لبنان وسورية وقدم لنفسه غطاء محكما لم يخذله إلا بعد 26 عاما. وأخيرا شبكة مروان فقيه الذي أوقف الشهر الماضي ويبدو أنه أكثر من أحدث خرقا لبنية «حزب الله» حيث زود قياديين في الحزب بسيارات تحمل أجهزة تعقب. ويبدو أن الحزب يخشى أن يكون الإسرائيليون قد تمكنوا، من خلال المعلومات التي حصلوا عليها من هذه الأجهزة، من تحديد مواقع ومنازل قياديين ومراكز قيادة الحزب.

بيروت: ثائر عباس

الشرق الأوسط
Your rating: None Average: 5 (1 vote)